مجمع البحوث الاسلامية

731

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ طه : 96 يلاحظ أوّلا : أنّ « بصر به » - بضمّ العين وقد يأتي بالفتح والكسر - في اللّغة بمعنى أبصر ، من دون قيد زائد ، وقد جاء في التّفاسير : « جعلت أخت موسى تنظر إليه من بعيد كأنّها لا تريده » ، « تمشي جانبا وتنظر اختلاسا ، ترى أنّها لا تنظره » ، إعجاز من إعجاز النّظم القرآنيّ الّذي تشخّص فيه الكلمة ألطف المعاني وأرقّها . . . ففي كلمة ( بصرت ) نرى أنّ قلب تلك الأخت كان أمام عينيها ، فلم تبحث عن أخيها بعينيها ، ولم تسمع أخباره بأذنيها ، وإنّما كانت كيانا من الحذر والحيطة ؛ بحيث تقرأ الحركات والإشارات ، وتتأمّل الرّموز والألغاز . فالبصر هنا بصر علم أقرب ما يكون إلى الإلهام ، كقوله : بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ . فنرى أنّ « بصر » في الأوّلين فسّر بالنّظر بالبصر اختلاسا ، وفي الثّالث بمعنى العلم ، وأدّعي أنّ فيهما إعجازا بليغا . ونحن مع الاعتراف بهذا اللّطف في المعنيين نقول : إنّ ذلك لا يعدّ معنى للفظ « بصر به » بل هما مستفادان من الجملة ، ولا سيّما من قوله : عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . ثانيا : نبّه الطّبرسيّ - وكذا الآلوسيّ - على الإيجاز الدّالّ على الإعجاز باللّفظ القليل المعنى على المعنى الكثير في الآية ، وبيانه : وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ، فتبعته أخته ، ورأت آل فرعون قد انتشلوا التّابوت من الماء ، وأخرجوا موسى منه ، فَبَصُرَتْ بِهِ . ونحن نضيف إلى ذلك : أنّ حذف هذه الجمل لوضوحها يحمل لطيفة أخرى ، وهي دلالتها على عجلتها في الاطّلاع على مصير أخيها ؛ حيث انعكست في حذف هذه المقدّمات عند حكاية القصّة . ثالثا : في قوله : وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ القائل هو أمّ موسى ، والمقول له هو أخته القاصّة ، والمقصوص هو موسى الطّفل الحبيب الّذي وقع في قبضة فرعون عدوّه اللّدود . وهذه المفاهيم تبعث العاطفة والإحساس على ما لا يطيقه البيان ، سوى نفس الآيات : وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ * فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ القصص : 10 - 13 . رابعا : حمل أكثرهم « بصر » في آية ( طه ) على العلم ، مع حملهم آية القصص على رؤية البصر قولا واحدا وهو ظاهر ، أي علمت بما لم يعلموا ، وقال آخرون : فطنت بما لم يفطنوا . ولا نرى وجها لذلك ، سوى أنّها كانت رؤية خاصّة به كسرّ ، والسّرّ يعلم ولا يرى . إلّا أنّه يسوغ لنا أن نحمله كما حملوا « بصر » في آية القصص عليه ، من رؤية البصر سرّا وخفية واختلاسا . وقد جمع بعضهم بين المعنيين ، قال : رأت ما لم يروا ، وعرفت ما لم يعرفوا . وقال الطّباطبائيّ : « إبصاره جبرئيل حين نزل راجلا